سيد محمد طنطاوي

289

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : قل لهم منبها ولافتا أنظارهم إلى ما هم فيه من جهل : اللَّه وحده هو الذي يرزقكم بما لا يحصى من الأرزاق التي بعضها من السماوات ، وبعضها من الأرض . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * داخل في حيز الأمر السابق ، ولكن بأسلوب فيه ما فيه من الحكمة والتلطف ، ومن حمل المخاطب على التفكر والتدبر حتى يعود إلى الرشد والصواب . أي : وقل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم - لقد علمتم - يا معشر المشركين أن المستحق للعبادة هو اللَّه - تعالى - وحده ، لأنه هو الذي خلقكم ورزقكم من السماوات والأرض . . . وإن أحدنا لا بد أن يكون على الهدى والآخر على الضلال . وسنترك تحديد من هو المهتدى ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم . وستعلمون - علم اليقين - بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق ، وأنتم يا معشر المشركين على الباطل . . فالجملة الكريمة لون من ألوان الدعوة إلى اللَّه - تعالى - بأسلوب مهذب حكيم ، من شأنه أن يحمل القلوب النافرة عن الحق ، إلى الاستسلام له ، والدخول فيه . . قال القرطبي : وقوله : * ( وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * هذا على وجه الإنصاف في الحجة ، كما يقول القائل لغيره : أحدنا كاذب ، وهو يعلم أنه صادق ، وأن صاحبه كاذب ، والمعنى : ما نحن وأنتم على أمر واحد ، بل على أمرين متضادين ، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن ، والآخر ضال وهو أنتم ، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب . والمعنى : أنتم الضالون حين أشركتم باللَّه الذي يرزقكم من السماوات والأرض . . . « 1 » . وقوله : * ( أَوْ إِيَّاكُمْ ) * معطوف على اسم إن ، وخبرها هو المذكور . وحذف خبر الثاني للدلالة عليه . أي : وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين . ثم أتبع - سبحانه - هذا الكرم الحكيم في الدعوة إلى الحق ، بكلام لا يقل عنه حكمة وبلاغة فقال : * ( قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا ولا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * أي : وقل لهم للمرة الثالثة - أيها الرسول الكريم - أنتم - أيها المشركون - لا تسألون يوم القيامة عن إجرامنا في حق أنفسنا - إن كنا قد أجرمنا وأخطأنا في حقها - ، ونحن - أيضا - لا يسألنا اللَّه - تعالى -

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 298 .