سيد محمد طنطاوي
283
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي هذه الجملة الكريمة قراءات متعددة ذكرها القرطبي فقال ما ملخصه : فقراءة العامة * ( رَبَّنا ) * - بالنصب - على أنه نداء مضاف . . * ( باعِدْ ) * - بزنة فاعل - سألوا المباعدة في أسفارهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( رَبَّنا ) * كذلك على الدعاء بعد - بتشديد العين - من التبعيد . وقرأ يعقوب وغيره ربنا - بالرفع - * ( باعِدْ ) * - بفتح العين والدال - على الخبر . أي : لقد باعد ربنا * ( بَيْنَ أَسْفارِنا ) * « 1 » . وقوله : * ( وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) * أي : قالوا ذلك القول السيئ ، وظلموا أنفسهم بسببه ، حيث أجيب دعاؤهم ، فكان نقمة عليهم ، لأنهم بعد أن كانوا يسافرون بيسر وأمان ، صاروا يسافرون بمشقة وخوف . وقوله : * ( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) * بيان لما آل إليه أمرهم . والأحاديث : جمع أحدوثة ، وهي ما يتحدث به الناس على سبيل التلهي والتعجب أي : قالوا ما قالوا من سوء وفعلوا ما فعلوا من منكر ، فكانت نتيجة ذلك . أن صيرناهم أحاديث يتلهى الناس بأخبارهم ، ويضربون بهم المثل ، فيقولون : تفرقوا أيدي سبأ ، ومزقناهم كل ممزق في البلاد المتعددة ، فمنهم من ذهب إلى الشام ، ومنهم من ذهب إلى العراق . . . بعد أن كانوا أمة متحدة ، يظلها الأمان والاطمئنان ، والغنى والجاه . . . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * الذي فعلناه بهم بسبب جهلهم وفسوقهم وبطرهم * ( لآياتٍ ) * واضحات بينات * ( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) * على طاعة اللَّه - تعالى - * ( شَكُورٍ ) * له - سبحانه - على نعمه . وخص - سبحانه - الصبار والشكور بالذكر . لأنهما هما المنتفعان بآياته وعبره ومواعظه . ثم بين - عز وجل - الأسباب التي أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال : * ( ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . ولفظ * ( صَدَّقَ ) * قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة ، وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد . وقوله : * ( عَلَيْهِمْ ) * متعلق بصدق . وقوله * ( ظَنَّه ) * مفعول به على قراءة التشديد ، ومنصوب بنزع الخافض على القراءة بالتخفيف ، وضمير الجمع في * ( عَلَيْهِمْ ) * وفي * ( فَاتَّبَعُوه ) * يعود إلى قوم سبأ . والمعنى على القراءة بالتشديد : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه في قدرته على إغوائهم ، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة اللَّه - تعالى - وشكره ، فاتبعوا خطوات الشيطان ،
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 14 ص 290 .