سيد محمد طنطاوي

277

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

و * ( قَلِيلٌ ) * خبر مقدم . و * ( مِنْ عِبادِيَ ) * صفة له . و ، * ( الشَّكُورُ ) * مبتدأ مؤخر . وهكذا يختم القرآن هذه النعم بهذا التعقيب الذي يكشف عن طبيعة الناس في كل زمان ومكان ، حتى يحملهم على أن يخالفوا أهواءهم ونفوسهم ، ويكثروا من ذكر اللَّه - تعالى - وشكره . وحقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة للمنعم ، والثناء عليه لإنعامه ، واستعمال نعمه - سبحانه - فيما خلقت له . والإنسان الشكور : هو المتوفر على أداء الشكر ، الباذل قصارى جهده في ذلك ، عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه . ثم ختم - سبحانه - النعم التي أنعم بها على داود وسليمان ، ببيان مشهد وفاة سليمان ، فقال : * ( فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْه الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِه إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَه ) * . والمراد بدابة الأرض : قيل هي الأرضة التي تأكل الخشب وتتغذى به ، يقال : أرضت الدابة الخشب أرضا - من باب ضرب - ، إذا أكلته . فإضافة الدابة إلى الأرض - بمعنى الأكل والقطع - من إضافة الشيء إلى فعله . و * ( مِنْسَأَتَه ) * أي : عصاه التي كان مستندا عليها . وسميت العصا بذلك لأنها تزجر بها الأغنام إذا جاوزت مرعاها . من نسأ البعير - كمنع - إذا زجره وساقه ، أو إذا أخره ودفعه . والمعنى : فلما حكمنا على سليمان - عليه السلام - بالموت ، وأنفذناه فيه ، وأوقعناه عليه ، * ( ما دَلَّهُمْ ) * أي : الجن الذين كانوا في خدمته * ( عَلى مَوْتِه ) * بعد أن مات وظل واقفا متكئا على عصاه * ( إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَه ) * . أي : انهم لم يدركوا أنه مات ، واستمروا في أعمالهم الشاقة التي كلفهم بها ، حتى جاءت الدابة التي تفعل الأرض - أي الأكل والقطع - فأكلت شيئا من عصاه التي كان متكئا عليها ، فسقط واقعا بعد أن كان واقفا . * ( فَلَمَّا خَرَّ ) * أي : فلما سقط سليمان على الأرض * ( تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ) * أي : ظهر لهم ظهورا جليا * ( أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ) * كما يزعم بعضهم . * ( ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ) * أي : ما بقوا في الأعمال الشاقة التي كلفهم بها سليمان . وذلك أن الجن استمروا فيما كلفهم به سليمان من أعمال شاقة ، ولم يدركوا أنه قد مات ،