سيد محمد طنطاوي
271
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب ، غارقون في العذاب الذي لا نهاية له . وفي الضلال البعيد عن الحق غاية البعد . ثم هددهم - سبحانه - بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا في ضلالهم وجهالاتهم وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال : * ( أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ) * . والاستفهام للتعجب من حالهم ، ومن ذهولهم عن التفكر والتدبر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب والمنتشرة في آفاق السماوات وفي جوانب الأرض ؟ إن تأملهم في مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم ، من شأنه أن يهديهم إلى الحق الذي جاءهم به رسولنا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون بأننا * ( إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ ) * كما فعلنا بقارون . * ( أَوْ ) * إن نشأ * ( نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) * والكسف جمع كسفة بمعنى قطعة أي : لا يعجزنا أن نخسف بهم الأرض . كما لا يعجزنا - أيضا - أن ننزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فنهلكهم ، كما أنزلناها على أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تكذيبهم وجحودهم . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) * . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه من مظاهر قدرتنا الواضحة بين أيديهم ، لآية بينة ، وعبرة ظاهرة ، لكل عبد * ( مُنِيبٍ ) * أي : راجع إلى اللَّه - تعالى - بالتوبة الصادقة ، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا صلَّى اللَّه عليه وسلم . ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس ، أولهما : أعطاه اللَّه - تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه ، فوقف من كل ذلك موقف المعترف بنعم اللَّه الشاكر لفضله . وثانيهما : أعطاه اللَّه - تعالى - النعم فوقف منها موقف الجاحد البطر الكنود . أما النموذج الأول فنراه في شخص النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - في شأنهما :