سيد محمد طنطاوي
269
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والجملة الكريمة مستأنفة لمدح هؤلاء العلماء العقلاء على إيمانهم بالحق ، أو معطوفة على يجزى في قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * . والمراد ب * ( الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * القرآن الكريم . والمعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما يقوله الكافرون بشأنك ولما يفعلونه لإبطال دعوتك ، فإن الذين أوتوا العلم وهم أتباعك الصادقون ، يعلمون ويعتقدون أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو الصدق الذي لا يشوبه كذب ، وهو الكتاب الذي يهدى من اتبعه وأطاع توجيهاته إلى دين اللَّه - تعالى - ، العزيز ، الذي يقهر ولا يقهر * ( الْحَمِيدِ ) * أي المحمود في جميع شؤونه . والمفعول الأول ليرى قوله : * ( الَّذِي أُنْزِلَ ) * . . والمفعول الثاني « الحق » و « هو » ضمير فصل متوسط بين المفعولين و « يهدى » معطوف على المفعول الثاني من باب عطف الفعل على الاسم لتأويله به ، أي : يرونه حقا وهاديا . وعبر - سبحانه - عن إيمان أهل العلم بما جاءهم به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بقوله : * ( ويَرَى ) * ، للإشعار بأنهم قد آمنوا هذا الإيمان الجازم عن إدراك ومشاهدة ويقين ، وأنهم قد صاروا لا يشكون في كون هذا المنزّل عليه من ربه ، هو الحق الهادي إلى الصراط المستقيم . وفي وصفهم بقوله : * ( أُوتُوا الْعِلْمَ ) * ثناء عظيم عليهم ، لأنهم انتفعوا بعلمهم وسخروه لخدمة الحق ، وللشهادة له بأنه حق ، ويهدى إلى السعادة الدينية والدنيوية والأخروية . وهكذا العلماء العاملون بمقتضى علمهم النافع . يكونون أنصارا للحق والهدى في كل زمان ومكان . ثم حكى - سبحانه - ما قاله أولئك الكافرون فيما بينهم ، على سبيل الاستهزاء بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال - تعالى - : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ . . . ) * . وتمزيق الشيء : تخريقه وجعله قطعا قطعا . يقال : ثوب ممزق ومزيق . إذا كان مقطعا مخرقا . والمراد بالرجل : الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . أي : وقال الذين كفروا بعضهم لبعض ، ألا تريدون أن ندلكم ونرشدكم إلى رجل ، هذا الرجل يخبركم ويحدثكم ، بأنكم إذا متم ، وفرقت أجسامكم في الأرض كل تفريق ، وصرتم رفاتا وعظاما ، وأصبحتم طعاما في بطون الطيور والوحوش .