سيد محمد طنطاوي

260

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

6 - ثم ساقت السورة بعد ذلك بأسلوب تلقيني ألوانا من الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له . نرى ذلك في قوله - تعالى - : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ، لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ . . وفي قوله - تعالى - : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ . وفي قوله - عز وجل - : قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِه شُرَكاءَ ، كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّه الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . 7 - ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن وظيفة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً ونَذِيراً . وعن أحوال الكافرين السيئة عندما يقفون أمام ربهم للحساب ، وكيف أن كل فريق منهم يلقى التبعة على غيره ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ، بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . 8 - ثم ترد السورة الكريمة على أولئك المترفين ، الذين زعموا أن أموالهم وأولادهم ستنفعهم يوم القيامة ، فتقرر أن ما ينفع يوم القيامة إنما هو الإيمان والعمل الصالح ، وأن اللَّه - تعالى - هو صاحب الإعطاء والمنع والإغناء والإفقار . قال - تعالى - : وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وما أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ، إِلَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ، فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا ، وهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ . 9 - وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من شبهات المشركين حول دعوة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وردت عليهم بما يزيد المؤمنين ثباتا على ثباتهم ، ويقينا على يقينهم ، أتبعت ذلك بدعوة هؤلاء الكافرين إلى التفكير والتدبر على انفراد ، في شأن دعوة هذا الرسول الكريم الذي يدعوهم إلى الحق ، لعل هذا التفكر يهديهم إلى الرشد . قال - تعالى - : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ، أَنْ تَقُومُوا لِلَّه مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ .