سيد محمد طنطاوي

253

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فإنكم إن فعلتم ذلك * ( يُصْلِحْ ) * اللَّه - تعالى - * ( لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) * بأن يجعلها مقبولة عنده * ( ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * التي فرطت منكم ، بأن يمحوها عنكم ببركة استقامتكم في أقوالكم وأفعالكم . * ( ومَنْ يُطِعِ اللَّه ورَسُولَه ) * في كل الأقوال والأعمال * ( فَقَدْ فازَ ) * في الدارين * ( فَوْزاً عَظِيماً ) * لا يقادر قدره ، ولا يعلم أحد كنهه وعلو منزلته . ثم بين - سبحانه - ضخامة التبعة التي حملها الإنسان فقال : * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ . . ) * . وأرجح الأقوال وأجمعها في المراد بالأمانة هنا : أنها التكاليف والفرائض الشرعية التي كلف اللَّه - تعالى - بها عباده ، من إخلاص في العبادة ، ومن أداء للطاعات ، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه . وسمى - سبحانه - ما كلفنا به أمانة ، لأن هذه التكاليف حقوق أمرنا - سبحانه - بها ، وائتمننا عليها ، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة عليها ، وأداءها بدون إخلال بشيء منها . والمراد بالإنسان : آدم - عليه السلام - أو جنس الإنسان . والمراد بحمله إياها : تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر والنواهي مع ثقلها وضخامتها . وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهات ، فمنهم من يرى أن الكلام على حقيقته ، وأن اللَّه - تعالى - قد عرض هذه التكاليف الشرعية المعبر عنها بالأمانة ، على السماوات والأرض والجبال * ( فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ) * لثقلها وضخامتها * ( وأَشْفَقْنَ مِنْها ) * أي : وخفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك ما يؤدى بهن إلى عذاب اللَّه وسخطه بسبب التقصير في أداء ما كلفن بأدائه . * ( وحَمَلَهَا الإِنْسانُ ) * أي : وقبل الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه ، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال حملها ، وأشفقن منها . * ( إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * أي : إنه كان مفرطا في ظلمه لنفسه ، ومبالغا في الجهل ، لأن هذا الجنس من الناس لم يلتزموا جميعا بأداء ما كلفهم اللَّه - تعالى - بأدائه . وإنما منهم من أداها على وجهها - وهم الأقلون - ، ومنهم من لم يؤدها وإنما عصى ما أمره به ربه ، وخان الأمانة التي التزم بأدائها . فالضمير في قوله * ( إِنَّه ) * يعود على بعض أفراد جنس الإنسان ، وهم الذين لم يؤدوا