سيد محمد طنطاوي
24
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- صلوات اللَّه عليه - لقومه ، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وشأن قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها . فإن قلت : إذا كانت من قول إبراهيم ، فما المراد بالأمم من قبله ؟ قلت : المراد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم ، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جمة مكذبة . . . » « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من كلام إبراهيم الخليل - عليه السلام - ، يحتج عليهم لإثبات المعاد ، لقوله بعد هذا كله : * ( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِه ) * « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنْ تُكَذِّبُوا . . . ) * معطوف على محذوف ، والتقدير : إن تطيعوني - أيها الناس - فقد فزتم ونجوتم ، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به ، فلستم بدعا في ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم ، فكانت عاقبة المكذبين خسرا . ثم بين لهم إبراهيم - عليه السلام - وظيفته فقال : * ( وما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * أي : لقد بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، وتلك هي وظيفتي التي كلفني بها ربي ، وليس على سواها ، أما الحساب والجزاء فمرده إلى اللَّه تعالى وحده . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على أن البعث حق ، وأنه - تعالى - لا يعجزه شيء ، فقال : * ( أَولَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّه الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * . والاستفهام لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة ، وعدم تعقلهم لما يدل عليها دلالة واضحة ، والواو للعطف على مقدر . والمعنى : ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث ، ويعلموا كيف خلق اللَّه - تعالى - الخلق ابتداء ، ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة ، وهي أهون عليه . إنهم ليرون كيف يبدئ اللَّه الخلق في النبتة النامية ، وفي الشجرة الباسقة ، وفي كل ما لم يكن ، ثم بعد ذلك يكون ، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى الحياة مرة أخرى ، مع أنه من المسلم عند كل ذي عقل ، أن الإعادة أيسر من الخلق ابتداء ؟ فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث ، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على إمكانيته . واسم الإشارة في قوله : * ( إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ) * يعود إلى ما ذكر من الأمرين وهما : بدء الخلق ، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 447 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 280 .