سيد محمد طنطاوي

239

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الهواجس الشيطانية التي قد تتولد عن مشاهدتكم لهن ، ومشاهدتهن لكم . . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( وما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه ، ولا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَه مِنْ بَعْدِه أَبَداً ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّه عَظِيماً ) * . أي : وما صح وما استقام لكم - أيها المؤمنون - أن تؤذوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأي لون من ألوان الأذى ، سواء أكان بدخول بيوته بغير إذنه ، أم بحضوركم إليها انتظارا لنضج الطعام أم بجلوسكم بعد الأكل بدون مقتض لذلك ، أم بغير ذلك مما يتأذى به صلَّى اللَّه عليه وسلم . كما أنه لا يصح لكم بحال من الأحوال أن تنكحوا أزواجه من بعده ، أي : من بعد وفاته . * ( إِنَّ ذلِكُمْ ) * أي : إيذاءه ونكاح أزواجه من بعده * ( كانَ عِنْدَ اللَّه ) * - تعالى - ذنبا * ( عَظِيماً ) * وإثما جسيما ، لا يقادر قدره . ثم حذرهم - سبحانه - من مخالفة أمره ، بأن بين لهم بأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء ، من أمرهم ، فقال : * ( إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً ) * بأن تظهروه على ألسنتكم * ( أَوْ تُخْفُوه ) * بأن تضمروه في قلوبكم ، فإنه في الحالين لا يعزب عن علمنا ، وسنحاسبكم عليه ، * ( فَإِنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) * بحيث لا يخفى عليه شيء ، في الأرض ولا في السماء . هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التي تسمى بآية الحجاب ، جملة من الأحكام والآداب منها : 1 - وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام ، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء ، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام في الوقت المناسب له ، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه . 2 - حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك في الطعام أم في غيره ، فقد أمر - سبحانه - المؤمنين ، إذا سألوا أزواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم شيئا أن يسألوهن من وراء حجاب ، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة ، يؤدى إلى طهارة القلوب ، وعفة النفوس ، والبعد عن الريبة وخواطر السوء . . وحكم نساء المؤمنين في ذلك كحكم أمهات المؤمنين ، لأن قوله - سبحانه - * ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) * علة عامة تدل على تعميم الحكم ، إذ جميع الرجال والنساء في كل زمان ومكان في حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب ، وأعف للنفوس . . قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : * ( ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ ) * قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من العقلاء ، إن غير أزواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا حاجة