سيد محمد طنطاوي

228

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأطلق على المهر أجر لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة ، كما يقابل الأجر بالمنفعة . وقوله : * ( وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّه عَلَيْكَ ) * بيان لنوع آخر مما أحله اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم . والمعنى : يا أيها النبي إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم والتشريف لك ، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك ، واللاتي أعطيتهن مهورهن - كعائشة وحفصة وغيرهما - ، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها . كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائي دخلن في ملكك عن طريق الغنيمة في الحرب ، كصفية بنت حيي بن أخطب ، وجويرية بنت الحارث . ثم بين - سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال : * ( وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمَّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ) * . أي : وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائي تربطك بهن قرابة من جهة الأب ، أو قرابة من جهة الأم . وقوله * ( اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ) * إشارة إلى ما هو أفضل ، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر . والمراد بالمعية هنا . الاشتراك في الهجرة . لا المصاحبة فيها ، لما في قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ : الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ . قال بعض العلماء : وقد جاء في الآية الكريمة عدة قيود ، ما أريد بواحد منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة . منها : وصف النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم باللاتى آتى أجورهن ، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة ، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شيء . ومنها : أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفيء ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب ، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحال والنشأة . ومنها : قيد الهجرة في قوله : * ( اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ) * ، ولا شك أن من هاجرت مع النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم أولى بشرف زوجية النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ممن عداها « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 22 للمرحوم الشيخ محمد على السائس .