سيد محمد طنطاوي
225
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) * أي : ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن . قال الآلوسي : وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة ، إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق ، له دخل في إيجاب العدة ، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا . . « 1 » . أي : أن الحكم الذي اشتملت عليه الآية الكريمة ، ثابت سواء تم الطلاق بعد عقد الزواج مباشرة ، أم بعده بمدة طويلة . وفي التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة . من شأنها أن تربى في الإنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنب النطق بالألفاظ التي تخدش الحياء . وقوله : * ( فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ) * جواب إذا ، وبيان للحكم المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها . أي : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فلا عدة عليهن ، بل من حقهن أن يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة من الزمان . قال الجمل : وقوله : * ( تَعْتَدُّونَها ) * صفة لعدة . وتعتدونها تفتعلونها ، إما عن العد ، وإما عن الاعتداد ، أي ، تحسبونها أو تستوفون عددها ، من قولك : عد فلان الدراهم فاعتدها ، أي : فاستوفى عددها . . « 2 » . فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها العدة إجماعا . وقوله - سبحانه - : * ( فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ) * بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه ، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها . وأصل المتعة والمتاع ، ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك . ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه ، لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لها عما نالها بسبب هذا الفراق . وأصل التسريح : أن ترعى الإبل السرح ، وهو شجر له ثمرة ، ثم أطلق على كل إرسال في الرعي ، ثم على كل إرسال وإخراج .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 48 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 443 .