سيد محمد طنطاوي
220
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال ابن عباس : لم يفرض اللَّه - تعالى - فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ، ثم عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر ، فإن اللَّه - تعالى - لم يجعل له حدا ينتهى إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، وأمرهم به في الأحوال كلها . فقال - تعالى - : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ . . وقال - سبحانه - : فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِكُمْ . . أي : بالليل وبالنهار ، في البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال . . « 1 » . وقوله : * ( وسَبِّحُوه بُكْرَةً وأَصِيلًا ) * معطوف على * ( اذْكُرُوا . . . ) * والتسبيح : التنزيه . مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء . فالمسبح مسرع في تنزيه اللَّه وتبرئته من السوء . والبكرة : أول النهار . والأصيل : آخره . أي : أكثروا - أيها المؤمنون - من ذكر اللَّه - تعالى - في كل أحوالكم ، ونزهوه - سبحانه - عن كل ما لا يليق به ، في أول النهار وفي آخره . وتخصيص الأمر بالتسبيح في هذين الوقتين ، لبيان فضلهما ، ولمزيد الثواب فيهما ، وهذا لا يمنع أن التسبيح في غير هذين الوقتين له ثوابه العظيم عند اللَّه - تعالى - . - وأيضا - خص - سبحانه - التسبيح بالذكر مع دخوله في عموم الذكر ، للتنبيه على مزيد فضله وشرفه . . قال صاحب الكشاف : والتسبيح من جملة الذكر . وإنما اختصه - تعالى - من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة ، ليبين فضله على سائر الأذكار ، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُه . . ) * استئناف جار مجرى التعليل لما قبله ، من الأمر بالإكثار من الذكر ومن التسبيح . والصلاة من اللَّه - تعالى - على عباده معناها : الرحمة بهم ، والثناء عليهم ، كما أن الصلاة من الملائكة على الناس معناها : الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُه ) * . . قال ابن عباس : لما نزل : إِنَّ اللَّه ومَلائِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ . . . قال المهاجرون والأنصار : هذا لك يا رسول اللَّه خاصة ، وليس لنا فيه شيء ، فأنزل اللَّه هذه الآية .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 426 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 545 .