سيد محمد طنطاوي

207

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( تَبَرَّجْنَ ) * مأخوذ من البرج - بفتح الباء والراء - وهو سعة العين وحسنها ، ومنه قولهم : سفينة برجاء ، أي : متسعة ولا غطاء عليها . والمراد به هنا : إظهار ما ينبغي ستره من جسد المرأة ، مع التكلف والتصنع في ذلك . والجاهلية الأولى ، بمعنى المتقدمة ، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة : أول وأولى . أو المراد بها : الجاهلية الجهلاء التي كانت ترتكب فيها الفواحش بدون تحرج . وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها : قول مجاهد : كانت المرأة تخرج فتمشى بين يدي الرجال ، فذلك تبرج الجاهلية . ومنها قول قتادة : كانت المرأة في الجاهلية تمشى مشية فيها تكسر . ومنها قول مقاتل : والتبرج : أنها تلقى الخمار على رأسها ، ولا تشده فيواري قلائدها وعنقها . ويبدو لنا أن التبرج المنهي عنه في الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ، كما يشمل كل فعل تفعله المرأة ، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداب الإسلام وتشريعاته . والمعنى : الزمن يا نساء النبي بيوتكن ، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة ، وإذا خرجتن فاخرجن في لباس الحشمة والوقار ، ولا تبدى إحداكن شيئا أمرها اللَّه - تعالى - بستره وإخفائه ، واحذرن التشبيه بنساء أهل الجاهلية الأولى ، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال ، ويلفت أنظارهم إليهن . ثم أتبع - سبحانه - هذا النهى بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن - عز وجل - فقال : * ( وأَقِمْنَ الصَّلاةَ ) * أي : داومن على إقامتها في أوقاتها بخشوع وإخلاص . * ( وآتِينَ الزَّكاةَ ) * التي فرضها اللَّه - تعالى - عليكن . وخص - سبحانه - هاتين الفريضتين بالذكر من بين سائر الفرائض ، لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية . * ( وأَطِعْنَ اللَّه ورَسُولَه ) * أي في كل ما تأتين وتتركن ، لا سيما فيما أمرتن به ، ونهيتن عنه . وقوله : * ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * تعليل لما أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات . والرجس في الأصل : يطلق على كل شيء مستقذر . وأريد به هنا : الذنوب والآثام وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس . وقوله * ( أَهْلَ الْبَيْتِ ) * منصوب على النداء ، أو على المدح . ويدخل في أهل البيت هنا