سيد محمد طنطاوي
184
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فلما بلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال لهم : « جراحكم في سبيل اللَّه ومن قتل منكم فإنه شهيد » . ومما زاد في بلاء المسلمين وحزنهم . ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين . حكاها - سبحانه - في قوله : * ( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، ما وَعَدَنَا اللَّه ورَسُولُه إِلَّا غُرُوراً ) * أي : واذكروا - أيضا - أيها المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة ، وقلوبهم المريضة ، فقالوا لكم وأنتم في أشد ساعات الحرج والضيق : * ( ما وَعَدَنَا اللَّه ورَسُولُه ) * بالنصر والظفر * ( إِلَّا غُرُوراً ) * أي : إلا وعدا باطلا ، لا يطابق الواقع الذي نعيش فيه . وقال أحدهم : إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط . * ( وإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا . . ) * . أي : واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء المنافقين : * ( يا أَهْلَ يَثْرِبَ ) * أي : يا أهل المدينة ، لا مقام لكم في هذا المكان الذي تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم ، فارجعوا إلى مساكنكم ، واستسلموا لأعدائكم . قال الشوكاني : وذلك أن المسلمين خرجوا في غزوة الخندق ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع ، وجعلوا وجوههم إلى العدو ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم . فقال هؤلاء المنافقون : ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم ، بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين ، فقال - تعالى - : * ( ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ، يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ) * . أي : أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه في الجهاد ، ولا يكتفون بذلك ، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبي - صلى اللَّه عليهم - فيستأذنه في الرجوع إلى بيوتهم ، قائلين له : يا رسول اللَّه : * ( إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) * أي : خالية ممن يحرسها . يقال : دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها . وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم في دعواهم فيقول * ( وما هِيَ بِعَوْرَةٍ ) * أي :
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 6 ص 266 .