سيد محمد طنطاوي
175
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبني ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية . ولقد حذر الإسلام من دعوى الابن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا . ونفر من ذلك . قال القرطبي : جاء في الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبى بكرة ، كلاهما قال : سمعته أذناي ووعاه قلبي ، محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام » وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر » « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ونحو أزواجه ، وما يجب للأقارب فيما بينهم ، فقال - تعالى - : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 6 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأَزْواجُه أُمَّهاتُهُمْ وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 ) أي : النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى في المحبة والطاعة ، فإذا ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه ، على ما تدعوهم إليه أنفسهم ، لأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم ، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم . وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ، أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : إنما مثلي ومثل أمتي ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه - أي في الشيء المستوقد - وأنا آخذ بحجزكم - أي : وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد الإزار - وأنتم تقحمون فيه « أي : وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم - .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 121 .