سيد محمد طنطاوي
158
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد في تبكيتهم وتقريعهم فقال : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ) * . أي : إن في ذلك الذي يرونه من مصارع الغابرين ، وآثار الماضين ، لآيات بينات ، وعظات بليغات ، فهلا تدبروا في ذلك ، واستمعوا إلى صوت الحق بتعقل وتفهم ؟ فقوله - تعالى - : * ( أَفَلا يَسْمَعُونَ ) * حض لهم على الاستماع إلى الآيات الدالة على سوء عاقبة الظالمين ، بتدبر وتعقل واتعاظ ، وتحول من الباطل إلى الحق ، قبل أن يحل بهم ما حل بأهل الأزمنة الغابرة . ثم نبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ ، فَنُخْرِجُ بِه زَرْعاً ، تَأْكُلُ مِنْه أَنْعامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ) * والأرض الجرز : هي الأرض اليابسة التي جرز نباتها وقطع ، إما لعدم نزول الماء عليها ، وإما لرعيه منها . قال القرطبي ما ملخصه : والأرض الجرز هي التي جرز نباتها أي : قطع ، إما لعدم الماء ، وإما لأنه رعى وأزيل ، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز . وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله ، وكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شيء تجده ، وسيف جراز ، أي : قاطع . . . » « 1 » . أي : أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم * ( أَنَّا نَسُوقُ ) * بقدرتنا ورحمتنا * ( الْماءَ ) * الذي تحمله السحب * ( إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ ) * أي : اليابسة الخالية من النبات ، فينزل عليها . * ( فَنُخْرِجُ بِه ) * أي : فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة * ( زَرْعاً ) * كثيرا نافعا * ( تَأْكُلُ مِنْه ) * أي : من هذا الزرع * ( أَنْعامُهُمْ ) * أي : تأكل منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما يشبه ذلك . وقوله * ( وأَنْفُسُهُمْ ) * معطوف على أنعامهم . أي : تأكل أنعامهم من الزرع ما يناسبها ، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب . وقدم - سبحانه - الأنعام على بني آدم للترقي من الأدنى إلى الأشرف . وقوله - تعالى - * ( أَفَلا يُبْصِرُونَ ) * حض لهم على التأمل في هذه النعم ، والحرص على شكر المنعم عليها ، وإخلاص العبادة له .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 110 .