سيد محمد طنطاوي

151

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : * ( إِنَّما يُؤْمِنُ ) * ويصدق * ( بِآياتِنَا ) * الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا ، أصحاب النفوس النقية الصافية ، الذين إذ ذكروا بها ، أي : بهذه الآيات . * ( خَرُّوا سُجَّداً ) * للَّه - تعالى - من غير تردد * ( وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) * أي : ونزهوه عن كل ما لا يليق به - عز وجل - * ( وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) * عن طاعته - سبحانه - ، وعن الانقياد لأمره ونهيه . ثم صور - سبحانه - أحوالهم في عبادتهم وتقربهم إلى اللَّه ، تصويرا بديعا فقال : * ( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً ) * . والتجافي : التحرك إلى جهة أعلى . وأصله من جفا فلان السرج عن فرسه ، إذا رفعه . ويقال تجافى فلان عن مكانه ، إذا انتقل عنه . والجنوب : جمع جنب . وأصله الجارحة ، والمراد به الشخص . والمضاجع : جمع مضجع ، وهو مكان الاتكاء للنوم . والمعنى : أن هؤلاء المؤمنين الصادقين ، تتنحى وترتفع أجسامهم ، عن أماكن نومهم ، وراحتهم ، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة * ( خَوْفاً ) * من سخطه عليهم ، * ( وطَمَعاً ) * في رضاه عنهم . * ( ومِمَّا رَزَقْناهُمْ ) * من فضلنا وخيرنا * ( يُنْفِقُونَ ) * في وجوه البر والخير . وقوله - سبحانه - : * ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ . . . ) * بيان للعطاء الجزيل ، والثواب العظيم . أي : فلا تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب ، أم لنبي مرسل ، ما أخفاه اللَّه - تعالى - لهؤلاء المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام ، من ثواب تقر به أعينهم ، وتسعد به قلوبهم ، وتبتهج له نفوسهم . . وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة في الدنيا . وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد اللَّه الصالحين ، وللثواب الذي لا تحيط به عبارة ، والذي أكرمهم اللَّه - تعالى - به . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عددا من الأحاديث الواردة في فضل قيام الليل ، منها ما رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل - رضى اللَّه عنه - قال : كنت مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في سفر ، فأصبحت يوما قريبا منه . ونحن نسير ، فقلت : يا نبي اللَّه ، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار . فقال : « لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير