سيد محمد طنطاوي

149

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأسنده - سبحانه - إلى ذاته في قوله : اللَّه يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها لأن كل شيء كائنا ما كان ، لا يكون إلا بقضائه وقدره . ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ، عندما يقفون للحساب ، تصويرا مرعبا مخيفا فقال : * ( ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * . وجواب « لو » محذوف ، والتقدير : لرأيت شيئا تقشعر من هوله الأبدان . وقوله : * ( ناكِسُوا ) * من النكس ، وهو قلب الشيء على رأسه كالتنكيس . . وفعله من باب نصر - والخطاب يصح أن يكون للرسول صلى اللَّه عليه وسلم أو لكل من يصلح له . أي : ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء ، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزي ، لحسابهم على أعمالهم . . لو ترى ذلك لرأيت شيئا ترتعد له الفرائص ، وتهتز منه القلوب . وقوله : * ( رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) * حكاية لما يقولونه في هذا الموقف العصيب . أي : يقولون بذلة وندم : يا ربنا نحن الآن نبصر مصيرنا ، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال ، * ( فَارْجِعْنا ) * إلى الدنيا ، لكي * ( نَعْمَلْ ) * عملا * ( صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) * الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق ، وأن البعث حق . وأن الجزاء حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق . ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم ، قد جاء في غير أوانه ، ولذا لا يقبله - سبحانه - منهم ، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه بقوله : * ( ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها . . . ) * . أي : ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإيمان ، لفعلنا ، لأن إرادتنا نافذة ، وقدرتنا لا يعجزها شيء . * ( ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ) * أي : ولكن ثبت وتحقق قولي . * ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ ) * أي من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار . ومن * ( النَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * بسبب فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا . فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة اللَّه - تعالى - لا يعجزها شيء ، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق في علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية ، لسوء استعدادهم ، يكون مصيرهم إلى النار ، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم ، وكمال استعدادهم ، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض . كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإنسان على غيره ، بأن يجعل له طبيعة