سيد محمد طنطاوي

147

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( ثُمَّ سَوَّاه ) * أي : هذا المخلوق الذي أوجده من طين ، أو من ماء مهين . والمراد : ثم عدل خلقه ، وسوى شكله ، وناسب بين أعضائه ، وأتمه في أحسن صورة . . . * ( ونَفَخَ فِيه ) * - سبحانه - * ( مِنْ رُوحِه ) * أي : من قدرته ورحمته ، التي صار بها هذا الإنسان إنسانا كاملا في أحسن تقويم . وإضافة الروح إليه - تعالى - للتشريف والتكريم لهذا المخلوق ، كما في قولهم بيت اللَّه . * ( وجَعَلَ لَكُمُ ) * بعد ذلك * ( السَّمْعَ ) * الذي تسمعون به * ( والأَبْصارَ ) * التي تبصرون بها ، * ( والأَفْئِدَةَ ) * التي تعقلون بها ، وتحسون الأشياء بواسطتها . وقوله : * ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) * بيان لموقف بني آدم من هذه النعم المتكاثرة والمتنوعة . ولفظ « قليلا » منصوب على أنه صفة لمحذوف وقع معمولا لتشكرون . أي : شكرا قليلا تشكرون ، أو زمانا قليلا تشكرون . وهكذا بنو آدم - إلا من عصم اللَّه - ، أوجدهم اللَّه - تعالى - بقدرته ، وسخر لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات ، وصانهم في كل مراحل خلقهم بأنواع من الصيانة والحفظ . . . ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه - عز وجل - على نعمه . وصدق - سبحانه - حيث يقول : وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ . ثم حكى - سبحانه - شبهات المشركين ورد عليها ، وصور أحوالهم الأليمة عندما تقبض الملائكة أرواحهم ، فقال - تعالى - : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 10 إلى 14 ] وقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 )