سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أو المعنى : ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين ، كأتباع نوح وهود وصالح وغيرهم ، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ثواب ، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب ، ولترتب المجازاة على العلم ، أقيم السبب مقام المسبب . قال الإمام ابن جرير : قوله : * ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا . . . ) * أي : فليعلمن اللَّه الذين صدقوا منهم في قولهم آمنا ، وليعلمن الكاذبين منهم في قولهم ذلك ، واللَّه عالم بذلك منهم ، قبل الاختبار ، وفي حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك : وليظهرن اللَّه صدق الصادق منهم في قوله آمنا باللَّه ، من كذب الكاذب منهم . . . وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين ، عذبهم المشركون ، ففتن بعضهم ، وصبر بعضهم على أذاهم ، حتى أتاهم اللَّه بفرج من عنده » « 1 » . وفي معنى هاتين الآيتين وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ « 2 » وقوله - تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّه الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ولَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّه ولا رَسُولِه ولَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً . . « 3 » . وقوله - سبحانه - : ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 4 » . وقد ساق الإمام القرطبي عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت عددا من الأحاديث النبوية ، منها قوله : روى البخاري عن خباب بن الأرت قالوا : شكونا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : « قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصرفه ذلك عن دينه ، واللَّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » « 5 » . والخلاصة ، أن المقصود من الآيتين تنبيه الناس في كل زمان ومكان ، إلى أن ظن بعض الناس بأن الإيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء ، ظن خاطئ ، وإلى أن هذا الابتلاء سنة ماضية في السابقين وفي اللاحقين إلى يوم القيامة .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 20 ص 83 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 142 . ( 3 ) سورة التوبة . الآية 16 . ( 4 ) سورة محمد . الآية 31 . ( 5 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 324 .