سيد محمد طنطاوي

134

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِه ) * أي : لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشيء من النفع في هذا اليوم . أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء . * ( ولا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِه شَيْئاً ) * أي : ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه . وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هي أقوى الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما في هذا اليوم ، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرهما من باب أولى . وقوله : * ( إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ) * أي : إن ما وعد اللَّه - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف . وما دام الأمر كذلك * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * أي : فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة اللَّه - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد . فإن الكيّس الفطن هو الذي يتزود لهذا اليوم بالإيمان الحق ، والعمل الصالح النافع . * ( ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ ) * أي : ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة اللَّه ، وعن امتثال أمره . فالمراد بالغرور : الشيطان . أو كل ما يصرفك عن طاعة اللَّه - تعالى . قال الآلوسي : * ( ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ ) * أي : الشيطان ، كما روى عن ابن عباس وغيره . بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم . . . وعن أبي عبيدة : كل شيء غرك حتى تعصى اللَّه - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان . . وأصل الغرور : من غر فلان فلانا ، إذا أصاب غرته ، أي : غفلته ، ونال منه ما يريد . والمراد به الخداع . . والظاهر أن « باللَّه » صلة « يغرنكم » أي : لا يخدعنكم بذكر شيء من شؤونه - تعالى - ، يجركم بها على معاصيه - سبحانه - « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التي استأثر - عز وجل - بعلمها فقال : * ( إِنَّ اللَّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ) * أي : عنده وحده علم وقتها ، وعلم قيامها ، كما قال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 108 .