سيد محمد طنطاوي

114

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن الذين آمنوا باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات * ( لَهُمْ ) * في مقابلة ذلك * ( جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) * أي : لهم جنات عالية يتنعمون فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . * ( خالِدِينَ فِيها ) * خلودا أبديا * ( وَعْدَ اللَّه حَقًّا ) * أي : هم خالدون في تلك الجنات خلودا أبدا ، فقد وعدهم - سبحانه - بذلك ، ووعده حق وصدق ، ولن يخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما . قال الجمل . وقوله * ( وَعْدَ ) * مصدر مؤكد لنفسه ، لأن قوله : * ( لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) * في معنى وعدهم اللَّه ذلك . وقوله * ( حَقًّا ) * مصدر مؤكد لغيره . أي : لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف ، فتقدير الأولى : وعد اللَّه ذلك وعدا . وتقدير الثانية ، وحقه حقا . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * أي : وهو - سبحانه - العزيز الذي لا يغلبه غالب . الحكيم في كل أفعاله وتصرفاته . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال : * ( خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها . . ) * . والعمد : جمع عماد . وهو ما تقام عليه القبة أو البيت . وجملة « ترونها » في محل نصب حال من السماوات . أي هو : - سبحانه - وحده ، الذي رفع هذه السماوات الهائلة في صنعها وفي ضخامتها ، بغير مستند يسندها . وبغير أعمدة تعتمد عليها . وأنتم ترون ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء . ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما ، هو المستحق للعبادة والطاعة . وقوله - تعالى - : * ( وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) * بيان لنعمة ثانية مما أنعم به - سبحانه - على عباده . والرواسي : جمع راسية . والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة .

--> ( 1 ) حاشية الجمل ج 3 ص 401 .