سيد محمد طنطاوي
111
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : أن من صفات هؤلاء المحسنين ، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص ، ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها ، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب ، يوقنون إيقانا قطعيا ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة . وفي إيراد « هم » قبل لفظ الآخرة . وقبل لفظ يوقنون : تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة ، أو غير بالغ مرتبة اليقين . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار الطيبة التي ترتبت على تلك الصفات الكريمة ، فقال - تعالى - : * ( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * . والمفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية . وأصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع ، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث ، واستعمل منه الفلاح في الفوز ، كأن الفائز شق طريقه وفلحه ، للوصول إلى مبتغاه ، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت . والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على هداية عظيمة من ربهم توصلهم إلى المطلوب ، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب . والتنكير في قوله * ( عَلى هُدىً ) * للتعظيم ، وأتى بلفظ « على » للإشارة إلى التمكن والرسوخ ، ووصفه بأنه * ( مِنْ رَبِّهِمْ ) * لأنه - سبحانه - هو الذي وفقهم إليه ، ويسر لهم أسبابه . ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس ، كانوا على النقيض من سابقيهم ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 6 إلى 7 ] ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 6 ) وإِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْه وَقْراً فَبَشِّرْه بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 7 ) وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا في النضر بن الحارث . اشترى قينة - أي مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى