سيد محمد طنطاوي

102

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الفصيحة . اى : إن كنتم منكرين للبعث ، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم . ولا تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم تنكرونه في الدنيا . فالجملة الكريمة ، المقصود بها توبيخهم وتأنيبهم على إنكارهم ليوم الحساب . وقوله * ( ولكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * زيادة في تقريعهم . أي : فهذا يوم البعث ماثل أمامكم . ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون أنه حق وصدق . بل كنتم بسبب كفركم وعنادكم تستخفون به وبمن يحدثكم عنه ، فاليوم تذوقون سوء عاقبة إنكاركم له ، واستهزائكم به . ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك : * ( فَيَوْمَئِذٍ ) * أي : فيوم أن تقوم الساعة ويقف الناس للحساب . * ( لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ) * أي لا ينفعهم الاعتذار ، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق . * ( ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * أي : ولا هم يقبل منهم الرجوع إلى اللَّه - تعالى - بالتوبة والعمل الصالح . قال الآلوسي : والاستعتاب : طلب العتبى ، وهي الاسم من الإعتاب ، بمعنى إزالة العتب . أي : لا يطلب منهم إزالة عتب اللَّه - تعالى - وغضبه عليهم ، لأنهم قد حق عليهم العذاب . . » « 1 » . ثم بين - سبحانه - موقفهم من القرآن الكريم ، وأنهم لو اتبعوا توجيهاته لنجوا من العذاب المهين ، فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ . . ) * . أي : وباللَّه لقد ضربنا للناس في هذا القرآن العظيم ، كل مثل حكيم ، من شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق ، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها . . . * ( ولَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ) * أي ولئن جئت - أيها الرسول - هؤلاء المشركين بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك . * ( لَيَقُولَنَّ ) * على سبيل التطاول والتبجح * ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ) * أي : ما أنتم إلا متبعون للباطل أيها المؤمنون بما يدعوكم إليه الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . ثم يعقب - سبحانه - على هذا التطاول والغرور بقوله : * ( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّه عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * . والطبع : الختم على الشيء حتى لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه . أي : مثل هذا الطبع العجيب ، يطبع اللَّه - تعالى - على قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون ،

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 61 .