سيد محمد طنطاوي
21
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي : « أخرج أبو نعيم ، وابن مردويه ، والديلمي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال في ذلك : « أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين » « 1 » . وقال الجمل في حاشيته : « فإن قلت : كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا ؟ . قلت : لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات . إذا ثبت هذا . فلا تمنع صيرورة الصبى نبيا . وقيل : أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير . . « 2 » . والذي تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا : العلم النافع مع العمل به ، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق أحكامها . قال ابن كثير : * ( وآتَيْناه الْحُكْمَ صَبِيًّا ) * أي : الفهم والعلم والجد والعزم ، والإقبال على الخير ، والإكباب عليه ، والاجتهاد فيه ، وهو صغير حدث . قال عبد اللَّه بن المبارك : قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب ، فقال : ما للعب خلقنا . قال : فلهذا أنزل اللَّه : * ( وآتَيْناه الْحُكْمَ صَبِيًّا ) * « 3 » . وقوله - تعالى - : * ( وحَناناً مِنْ لَدُنَّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا ) * معطوف على * ( الْحُكْمَ ) * . أي : وأعطيناه الحكم صبيا ، وأعطيناه حنانا . . . قال القرطبي ما ملخصه : « الحنان : الشفقة والرحمة والمحبة ، وهو فعل من أفعال النفس . . . وأصله : من حنان الناقة على ولدها . . . قال طرفة : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض « 4 » والمعنى : منحنا * ( يَحْيى ) * الحكم صبيا ، ومنحناه من عندنا وحدنا رحمة عظيمة عليه ، ورحمة في قلبه جعلته يعطف على غيره ، وأعطيناه كذلك زكاة أي : طهارة في النفس ، أبعدته عن ارتكاب ما نهى اللَّه عنه ، وجعلته سباقا لفعل الخير * ( وكانَ تَقِيًّا ) * أي مطيعا لنا في كل ما نأمره به ، أو ننهاه عنه . ثم أضاف - سبحانه - إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال :
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 72 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 54 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 113 . ( 4 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 87 .