سيد محمد طنطاوي

18

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يقال : عتى الشيخ يعتو عتيا - بكسر العين وضمها - إذا بلغ النهاية في الكبر . قال ابن جرير : « قوله : * ( وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) * يقول : وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها ، يقال منه للعود اليابس : عات وعاس . وقد عتا يعتو عتوا وعتيا . . . وكل متناه في كبر أو فساد أو كفر فهو عات . . . » « 1 » . فإن قيل : « ما المراد باستفهام زكريا - عليه السلام - مع علمه بقدرة اللَّه - تعالى - على كل شيء ؟ فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار ، لأنه لم يكن يعلم أن اللَّه - تعالى - سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر ، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى ، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها . ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه اللَّه الولد مع تقدم سنه وسن زوجته . ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتي الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته . وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة اللَّه - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء . ثم حكى - سبحانه - ما رد به على استفهام زكريا فقال : * ( قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئاً ) * . وقوله : * ( كَذلِكَ ) * خبر لمبتدأ محذوف ، أي : الأمر كذلك . قال الآلوسي : وذلك إشارة إلى قول زكريا - عليه السلام - وجملة * ( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) * مفعول * ( قالَ ) * الثاني وجملة « الأمر كذلك » مع جملة * ( قالَ رَبُّكَ ) * إلخ مفعول * ( قالَ ) * الأول . . . » « 2 » . والمعنى : قال اللَّه - تعالى - مجيبا على استفهام زكريا ، الأمر كما ذكرت يا زكريا من كون امرأتك عاقرا ، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا ، ولكن ذلك لا يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا في منحك هذا الغلام ، فإن قدرتنا لا يعجزها شيء ، ولا تخضع لما جرت به العادات . وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها * ( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) * أي : يسير سهل .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 16 ص 38 طبعة بولاق سنة 1328 ه . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 67 .