سيد محمد طنطاوي

95

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال - تعالى - : واللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ، وجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ويَوْمَ إِقامَتِكُمْ ، ومِنْ أَصْوافِها وأَوْبارِها وأَشْعارِها ، أَثاثاً ومَتاعاً إِلى حِينٍ . واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ، وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ، وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَه عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ . ( ك ) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عندما يرون العذاب ، وتحكى ما يقولون عندما يرون شركاءهم ، وتقرر أن اللَّه يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وأن الرسول - صلى اللَّه عليه وسلم - سيكون شهيدا على من بعث إليهم . بعد كل ذلك تسوق السورة الكريمة عددا من الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق والناهية عن منكراتها فتقول : إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ، ويَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذا عاهَدْتُمْ ، ولا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ، إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ . ( ل ) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب ، وعلى الأوامر والنواهي . تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن وعن الشبهات التي أثارها المشركون حوله مع الرد عليها بما يدحضها ، وعن حكم من تلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، فتقول : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . ثم تقول : ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُه بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ . ثم تقول : مَنْ كَفَرَ بِاللَّه مِنْ بَعْدِ إِيمانِه إِلَّا مَنْ أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّه ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . ( م ) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال ، فتسوق مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بالنعم فلم يقابلوها بالشكر ، فانتقم اللَّه - تعالى - منهم . كما تسوق جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم اللَّه فيما خلقت له . استمع إلى قوله - تعالى - : وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه فَأَذاقَهَا اللَّه لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ . ثم إلى قوله - تعالى - : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّه حَنِيفاً ولَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .