سيد محمد طنطاوي

80

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين ، وتواضع لأتباعك المؤمنين ، وقل للناس جميعا ما قاله كل نبي قبلك لقومه : إني أنا المنذر لكم من عذاب اللَّه إذا ما بقيتم على كفركم ، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم . فالنذير هنا بمعنى المنذر ، والمبين بمعنى الكاشف والموضح . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إنما مثلي ومثل ما بعثني اللَّه به ، كمثل رجل أتى قومه فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء النجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا ، وانطلقوا على مهلهم فنجوا . وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق » « 1 » . ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق ، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال - تعالى - : * ( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) * . . والكاف في قوله * ( كَما ) * للتشبيه ، وما موصوله أو مصدرية وهي المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله - تعالى - * ( ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ) * . ولفظ « المقتسمين » افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشيء وجعله أقساما . . والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب ، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر . أو المراد بهم - كما قال ابن كثير : « المقتسمين » أي المتحالفين ، أي الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم . . . » « 2 » . ولفظ « عضين » جمع عضة - بزنة عزة - ، وهي الجزء والقطعة من الشيء . تقول : عضيت الشيء تعضية ، أي : فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة . قال القرطبي ما ملخصه : وواحد العضين عضة ، من عضيت الشيء تعضية أي فرقته ، وكل فرقة عضة . قال الشاعر : وليس دين اللَّه بالمعضى . أي : بالمفرق .

--> ( 1 ) صحيح البخاري : كتاب الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم - ج 9 ص 115 وصحيح مسلم كتاب الفضائل ج 7 ص 63 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 66 .