سيد محمد طنطاوي

75

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالساعة في قوله - تعالى - : * ( وإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ ) * ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب في الآخرة . أي : وإن ساعة إعطاء كل ذي حق حقه ، ومعاقبة كل ذي باطل على باطله ، لآتية لا ريب فيها ، فمن فاته أخذ حقه في الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص في الآخرة ، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها في يوم الحساب . فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا ، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة ، والمقصود من ذلك تسليته صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من المكذبين من أذى . وأكد - سبحانه - هذه الجملة بأن وبلام التوكيد ، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة ، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها . . . وجملة * ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) * تفريع على ما قبلها . والصفح الجميل : ترك المؤاخذة على الذنب ، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة . أي : ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق ، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها . . . فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحا جميلا ، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب . . . حتى يحكم اللَّه بينك وبينهم . وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته صلى اللَّه عليه وسلم وتكريمه ، لأنه - سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه ، ومن شأن الذي يصفح عن غيره ، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير - فكأنه - سبحانه - يقول له : اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : . . . فَاعْفُوا واصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِه إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) * تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم . والخلاق والعليم : صيغتا مبالغة من الخلق والعلم ، للدلالة على كثرة خلقه ، وشمول علمه .

--> ( 1 ) سورة الزخرف الآية 89 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 109 .