سيد محمد طنطاوي
58
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأما في المتصل ، فهم داخلون في حكم الإرسال ، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء ، وينجوا هؤلاء ، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأول » « 1 » . . . وقوله - سبحانه - * ( إِلَّا امْرَأَتَه قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) * استثناء من الضمير في * ( لَمُنَجُّوهُمْ ) * ، إخراجا لها من التنجية . أي : إلا امرأة لوط - عليه السلام - فليست ممن سننجيه ، بل هي ممن سنهلكه مع القوم المجرمين . ومعنى ( قدرنا ) : قضينا وحكمنا . والغابر : الباقي . يقال غبر الشيء غبورا إذا بقي وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع . وقد يستعمل في الماضي فيكون هذا اللفظ من الأضداد . ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا * ( إِلَّا امْرَأَتَه قَدَّرْنا . . . ) * مع أنه فعل اللَّه - تعالى - لما لهم من الزلفى عنده - سبحانه - ، ولأنهم ما أرسلوا لإهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره . قال الآلوسي ما ملخصه : والظاهر أن قوله - تعالى - * ( إِلَّا امْرَأَتَه قَدَّرْنا . . . ) * من كلام الملائكة ، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم - وهو فعل اللَّه - سبحانه - لما لهم من القرب والاختصاص ، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان : أمرنا بكذا . . والآمر في الحقيقة هو السلطان . وقيل - ولا يخفى بعده - : هو من كلام اللَّه - تعالى - فلا يحتاج إلى تأويل ، وكذا لا يحتاج إلى تأويل إذا أريد بالتقدير العلم . قال بعض العلماء : وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء ، لأنه - تعالى - استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله * ( إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) * ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله * ( إِلَّا امْرَأَتَه قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) * « 2 » . وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، ما دار بين إبراهيم وبين
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 393 . ( 2 ) تفسير ( أضواء البيان ) ج 3 ص 155 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .