سيد محمد طنطاوي

572

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع في حكمه الطريق القويم ، والأسلوب الحكيم ، الذي يدل على قوة الإيمان ، وصدق اليقين ، وطهارة النفس . إنه بالنسبة للظالمين ، يعذب ، ويقتص ، ويرهب النفوس المنحرفة ، حتى تعود إلى رشدها ، وتقف عند حدودها . وبالنسبة للمؤمنين الصالحين ، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح واستقامتهم بالتكريم والقول الطيب ، والجزاء الحسن . وهكذا الحاكم الصالح في كل زمان ومكان : الظالمون والمعتدون . . يجدون منه كل شدة تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم . والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب . وقوله : * ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) * بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس . أي : وبعد أن بلغ مغرب الشمس ، ونال مقصده ، كر راجعا من جهة غروب الشمس إلى جهة شروقها . * ( حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ) * أي : حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى الأرض المعمورة في زمنه من جهة المشرق . * ( وَجَدَها ) * أي الشمس * ( تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ) * أي : لم نجعل لهم من دون الشمس ما يستترون به من البناء أو اللباس ، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف في نهاية المعمورة من جهة المشرق . وقوله : * ( كَذلِكَ ) * خبر لمبتدأ محذوف ، أي : أمر ذي القرنين كذلك من حيث إنه آتاه اللَّه من كل شيء سببا ، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها . وقوله * ( وقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْه خُبْراً ) * بيان لشمول علم اللَّه - تعالى - بأحوال ذي القرنين الظاهرة والباطنة ولأحوال غيره . أي : كذلك كان شأن ذي القرنين . وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب عنه شيء ، بما كان لدى ذي القرنين من جنود وقوة وآلات . . . وغير ذلك من أسباب الملك والسلطان . وقوله - سبحانه - : * ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) * بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها . أي : ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها . . . سار في طريق ثالث معترض بين المشرق والمغرب ، آخذا فيه * ( حَتَّى إِذا بَلَغَ ) * في مسيره ذلك * ( بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) * أي : الجبلين ، وسمى الجبل سدا ، لأنه سد فجا من الأرض .