سيد محمد طنطاوي
569
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ . . ) * معطوف على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة . قال البقاعي : كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم ، وكانت قصة ذي القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد في سبيل اللَّه ، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذي القرنين . . « 1 » . والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود ، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف . أن اليهود قالوا لوفد قريش : سلوه - أي الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عن ثلاث نأمركم بهن . . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ماذا كان من أمرهم . . وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها . . وسلوه عن الروح . وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة الماضية ، أو للدلالة على أنهم استمروا في لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التي ترد عليهم . أما ذو القرنين ، فقد اختلفت في شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا ، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسي بقوله : وذكر أبو الريحان البيروني في كتابه المسمى « بالآثار الباقية عن القرون الخالية » ، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميري ، وهو الذي : افتخر به تبع اليمنى حيث قال : قد كان ذو القرنين جدي مسلما ملكا علا في الأرض غير مفند بلغ المغارب والمشارق يبتغى أسباب ملك من حكيم مرشد ثم قال أبو الريحان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذي . كذي نواس ، وذي يزن . إلخ . « 2 » .
--> ( 1 ) نظم الدرر للبقاعى ج 12 ص 128 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 27 .