سيد محمد طنطاوي

563

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال موسى : ستجدني إن شاء اللَّه صابرا ولا أعصى لك أمرا . قال الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . فانطلقا يمشيان ، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه ، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول - أي بغير أجر - فلما ركبا في السفينة ، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم . فقال له موسى : قد حملونا بغير نول ، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها ، لتغرق أهلها ، لقد جئت شيئا إمرا . قال له الخضر : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا . قال : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا . قال : وقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، كانت الأولى من موسى نسيانا ، قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة . فنقر في البحر نقرة . فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم اللَّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر . ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله - فقال له موسى : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قال : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا . قال : وهذه أشد من الأولى . قال : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي . فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَه . قالَ : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْه أَجْراً . قالَ : هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْه صَبْراً . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص اللَّه علينا من خبرهما » « 1 » . وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتي : 1 - أن الإنسان مهما أوتى من العلم ، فعليه أن يطلب المزيد ، وأن لا يعجب بعلمه ، فاللَّه - تعالى - يقول : وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وطلب من نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يتضرع إليه بطلب الزيادة من العلم فقال : وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 172 طبعة دار الشعب .