سيد محمد طنطاوي

557

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله : * ( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ . . ) * بل يضيف لفظ لك ، زيادة في التحديد والتعيين والتذكير . أي : ألم أقل لك أنت يا موسى لا لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق : إنك لن تستطيع معي صبرا ، لأنك لم تحط علما بما أفعله . ويراجع موسى نفسه . فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع الرجل الصالح مرتين ، فيبادر بإخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيرة فيقول : * ( إِنْ سَأَلْتُكَ ) * أيها الصديق * ( عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ) * أي : بعد هذه المرة الثانية * ( فَلا تُصاحِبْنِي ) * أي : فلا تجعلني صاحبا أو رفيقا لك ، فإنك * ( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) * أي : فإنك قد بلغت الغاية التي تكون معذورا بعدها في فراقي ، لأنى أكون قد خالفتك مرارا . وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يدلك على اعتذاره الشديد للخضر ، وعلى شدة ندمه على ما فرط منه ، وعلى الاعتراف له بخطئه . قال القرطبي : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما : « رحمة اللَّه علينا وعلى موسى ، لو صبر على صاحبه لرأى العجب ، ولكنه قال : * ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي . . ) * « 1 » . ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير في تلك القصة الزاخرة بالمفاجآت والعجائب فنقول : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 77 إلى 78 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَه قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْه أَجْراً ( 77 ) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْه صَبْراً ( 78 ) أي : فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - يتابعان سيرهما . حتى إذا أتيا أهل قرية قيل هي « أنطاكيه » ، وقيل : هي قرية بأرض الروم .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 11 ص 23 .