سيد محمد طنطاوي
550
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وتعيينه . وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي طلبه منه موسى ، للإشعار بأن الغداء الذي طلبه موسى منه ، هو ذلك الحوت الذي فقداه . وقوله * ( وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه ) * جملة معترضة جيء بها لبيان ما يجرى مجرى السبب في وقوع النسيان منه . وقوله * ( أَنْ أَذْكُرَه ) * بدل اشتمال من الهاء في « أنسانيه » . أي : وما أنساني تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذي يوسوس للإنسان ، بوساوس متعددة ، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة . وقوله * ( واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) * معطوف على قوله * ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ) * . أي : نسيت أن أخبرك بأن الحوت عندما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة ، واتخذ طريقه في البحر اتخاذا عجيبا ، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر في الماء ، والماء من حوله كالقنطرة التي تنفذ منها الأشياء . وعلى هذا تكون جملة ، « واتخذ سبيله في البحر عجبا » ، من بقية كلام يوشع للتعجب مما حدث من الحوت ، حيث عادت إليه الحياة بقدرة اللَّه - تعالى - ، واتخذ طريقه في البحر بتلك الصورة العجيبة . وقيل : إن هذه الجملة من كلام اللَّه - تعالى - لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت العجيب ، بعد بيان أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله في البحر سربا . ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح ، لأن سياق الآية يدل عليه ، لذا اكتفى به بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره . قال الإمام الرازي : قوله * ( واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) * فيه وجوه : الأول : أن قوله * ( عَجَباً ) * صفة لمصدر محذوف ، كأنه قيل : واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا ، ووجه كونه عجبا ، انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه في البحر . الثاني : أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه - تعالى - جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب . الثالث : قيل إنه تم الكلام عند قوله * ( واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ ) * ثم قال بعده : * ( عَجَباً ) * والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التي رآها ، ثم من نسيانه لها . . « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 147 .