سيد محمد طنطاوي

541

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لكن الظاهر أن المراد به العموم - كما أشرنا - ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا . ثم حكى - سبحانه - الأسباب التي منعت بعض الناس من الإيمان فقال : * ( وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ . إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ) * . والمراد بالناس : كفار مكة ومن حذا حذوهم في الشرك والضلال والمراد بسنة الأولين : ما أنزله - سبحانه - بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها على الكفر والجحود . والمعنى : وما منع الكفار من الإيمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم ، ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم ، إلا ما سبق في علمنا ، من أنهم لا يؤمنون ، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين ، أي : سنتنافى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم . ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف ، و « أن » وما بعدها في قوله * ( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ ) * في تأويل فاعل الفعل « منع » . والمعنى : وما منع الناس من الإيمان والاستغفار وقت مجيء الهدى إليهم ، إلا طلب إتيان سنة الأولين ، كأن يقولوا - كما حكى اللَّه - تعالى - عن بعضهم : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب ، فأخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر . وقوله : * ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ) * بيان لعذاب آخر ينتظرونه . وكلمة * ( قُبُلًا ) * قرأها عاصم والكسائي وحمزة - بضم القاف والباء - على أنها جمع قبيل وهو النوع فيكون المعنى : أو يأتيهم العذاب على صنوف وأنواع مختلفة ، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا . وقرأها الباقون : * ( قُبُلًا ) * - بكسر القاف وفتح الباء - بمعنى عيانا ومواجهة . والمعنى : أو يأتيهم العذاب عيانا وجهارا ، وأصله من المقابلة ، لأن المتقابلين يعاين ويشاهد كل منهما الآخر . وهي على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب . فحاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا حين نزول العذاب الدنيوي بهم وهو ما اقتضته سنة اللَّه - تعالى - في أمثالهم ، أو حين نزول أصناف العذاب بهم في الآخرة .