سيد محمد طنطاوي

523

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وما كان هذا الرجل الذي جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغي على الرشد ، والكفر على الإيمان . فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح ، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة اللَّه - عز وجل - ، وعجز ذلك الرجل في نفسه عن رد انتقام اللَّه - تعالى - منه . وقوله - سبحانه - : * ( هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّه الْحَقِّ . . ) * تقرير وتأكيد للآية السابقة . ولفظ هنالك ظرف مكان . وكلمة « الولاية » قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة « الحق » بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة . فيكون المعنى : في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أي الموالاة والصلة - من كل الناس ، للَّه - تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية اللَّه - تعالى - كما قال - سبحانه - فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّه وَحْدَه وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا « 1 » . ويجوز أن يكون المعنى : في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أي الموالاة للَّه - تعالى - وحده ، فيوالي المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم ، كما قال - سبحانه - ذلِكَ بِأَنَّ اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ، وأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ « 2 » . وقرأ حمزة والكسائي : * ( الْوَلايَةُ ) * بكسر الواو ، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائي لفظ * ( الْحَقِّ ) * بالرفع على أنه نعت للولاية . فيكون المعنى : في ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، للَّه رب العالمين ، كما قال - سبحانه - : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ، وكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً « 3 » . قال بعض العلماء : وقوله « هنالك » يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف تام على قوله * ( وما كانَ مُنْتَصِراً ) * . ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله . فعلى القول الأول يكون الظرف « هنالك » عامله ما بعده أي : الولاية كائنة للَّه هنالك .

--> ( 1 ) سورة غافر الآيتان 84 ، 85 . ( 2 ) سورة محمد الآية 11 . ( 3 ) سورة الفرقان الآية 26 .