سيد محمد طنطاوي

509

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( عَيْناكَ ) * ، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه . وقوله - تعالى - * ( ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَه عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواه وكانَ أَمْرُه فُرُطاً ) * نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه صلى اللَّه عليه وسلم على هؤلاء المؤمنين الفقراء ، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطرسين الأغنياء . والفرط - بضم الفاء والراء - : مجاوزة الحد ، ونبذ الحق والصواب ، واتباع الباطل والضلال . أي : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - في تنحية المؤمنين الفقراء عن مجلسك أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا وعبادتنا لاستحواذ الشيطان عليها ، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الغي على الرشد . والذين كان أمرهم . فرطا أي : مخالفا للحق ، ومجاوزا للصواب ، ومؤديا للضياع والخسران . قال ابن جرير - بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى قوله - تعالى - : * ( فُرُطاً ) * : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه : ضياعا وهلاكا . من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا ، إذا أسرف فيه . وتجاوز قدره . وكذلك قوله : * ( وكانَ أَمْرُه فُرُطاً ) * . معناه : وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفا قد تجاوز حده ، فضيع بذلك الحق وهلك » « 1 » . فالآية الكريمة تسوق للناس توجيها حكيما في بيان القيم الحقيقية للناس وهي أنها تتمثل في الإيمان والتقوى ، لا في الغنى والجاه . فالمؤمن الصادق في إيمانه ، الكريم في أخلاقه . . هو الذي يحرص على مخالطة أهل الإيمان والتقوى . ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم والتواضع لهم ، والتقدم إليهم بما يسرهم ويشرح صدورهم . ولقد ربي النبي صلى اللَّه عليه وسلم أصحابه على هذا الخلق الكريم ، روى الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي قال : مر رجل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس : « ما رأيك في هذا ؟ فقال : رجل من أشرف الناس ، هذا واللَّه حرىّ إن خطب أن يزوج ، وإن شفع أن يشفع . فسكت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم مرّ رجل آخر : فقال له صلى اللَّه عليه وسلم : « ما رأيك في

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 156 .