سيد محمد طنطاوي

494

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً ) * تفسير للمتنازع فيه ، وبيان لما قاله بعض الذين اطلعوا على أمر الفتية . أي اختلف الذين عثروا على الفتية فقال بعضهم : ابنوا على باب كهفهم بنيانا . حتى لا يصل الناس إليهم ، وحتى نصونهم من الأذى . وقوله - تعالى - : * ( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) * يحتمل أنه حكاية لكلام طائفة من المتنازعين في شأن أصحاب الكهف ، وقد قالوه ليقطعوا النزاع في شأنهم ، وليفوضوا أمرهم إلى اللَّه - تعالى - . ويحتمل أن يكون من كلام اللَّه - تعالى - ردا للخائضين في شأنهم . أي : اتركوا أيها المتنازعون ما أنتم فيه من تنازع ، فإني أعلم منكم بحال أصحاب الكهف . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) * . أي : أن الذين أعثرهم اللَّه على أصحاب الكهف قال بعضهم : ابنوا على هؤلاء الفتية بنيانا يسترهم . . وقال الذين غلبوا على أمرهم ، وهم أصحاب الكلمة النافذة ، والرأي المطاع ، لنتخذن على هؤلاء الفتية مسجدا ، أي : معبدا تبركا بهم . قال الآلوسي : واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء ، واتخاذ مسجد عليها ، وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي . وهو قول باطل عاطل ، فاسد كاسد . فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لعن اللَّه زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج » . وزاد مسلم : « ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . . » « 1 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 15 ص 237 .