سيد محمد طنطاوي
490
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة ، بعثناهم من نومهم بعدها ، ليسأل بعضهم بعضا ، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال . والاقتصار على التساؤل الذي حصل الإيقاظ من أجله ، لا ينفى أن يكون هناك أسباب أخرى غيره حصل من أجلها إيقاظهم ، وإنما أفرده - سبحانه - بالذكر لاستتباعه لسائر الآثار الأخرى . ثم حكى - سبحانه - بعض تساؤلهم فقال : * ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) * أي : كم مكثتم مستغرقين في النوم في هذا الكهف . فأجابه بعضهم بقوله : * ( لَبِثْنا يَوْماً ) * لظنهم أن الشمس قد غربت ، فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا : * ( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) * أي : مكثنا نائمين بعض ساعات اليوم . ويصح أن تكون أو للشك . أي قال بعضهم في الرد على سؤال السائل كم لبثتم ، لبثنا في النوم يوما أو بعض يوم ، لأننا لا ندري على الحقيقة كم مكثنا نائمين . ثم حكى القرآن أن بعضهم رد علم مقدار مدة نومهم على جهة اليقين إلى اللَّه - تعالى - فقال : * ( قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ) * أي : ربكم وحده هو العليم بمقدار الزمن الذي قضيتموه نائمين في هذا الكهف . قال الآلوسي : وهذا رد منهم على الأولين ، على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب ، وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق في قوله - تعالى - لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ « 1 » . وقال بعضهم : وقد استدل ابن عباس على أن عدد الفتية سبعة بهذه الآية ، لأنه قد قال في الآية : قال قائل منهم ، وهذا واحد ، وقالوا في جوابه : لبثنا يوما ، أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة ، ثم قالوا : ربكم أعلم بما لبثتم ، وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما قالوه بعد أن تركوا الحديث في مسألة الزمن الذي قضوه نائمين في الكهف فقال - تعالى - : * ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِه إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْه ولْيَتَلَطَّفْ ، ولا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ) * . أي : كفوا عن الحديث في مسألة المدة التي نمتموها ، فعلمها عند اللَّه ، وابعثوا أحدكم
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 229 . ( 2 ) تفسير فتح البيان ج 5 ص 534 .