سيد محمد طنطاوي

47

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : إن لجهنم سبعة أبواب ، لكل باب منها ، فريق معين من الغاوين يدخلون منه ، على حسب تفاوتهم في الغواية وفي متابعة إبليس ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالأبواب هنا الأطباق والدركات . أي لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق بعض ، ينزلها الغاوون ، بحسب أصنافهم وتفاوت مراتبهم في الغي والضلال . قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - * ( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) * أي : قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس ، يدخلونه لا محيد لهم عنه - أجارنا اللَّه منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله ، ويستقر في درك بقدر فعله . . . ثم قال : وعن عمرة بن جندب - رضى اللَّه عنه - عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم في قوله * ( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) * قال : « إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته « 1 » ، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه . . . » « 2 » . وبعد : فهذه قصة خلق الإنسان ، وقصة خلق الجان - كما بينتها هذه السورة الكريمة - ومن الدروس والعظات التي نأخذها منها : 1 - دلالتها على كمال قدرة اللَّه - تعالى - ، وبديع خلقه ، وبليغ حكمته ، حيث خلق - سبحانه - الإنسان من مادة تختلف عن المادة التي خلق منها الجان ، وحيث كرم الإنسان بخاصية أخرى أشار إليها القرآن في قوله - تعالى - * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي . . ) * . وهذه الخاصية هي التي تجعل من هذا الإنسان ، إنسانا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى التي تشاركه في هذه الحياة . . 2 - أن خلق الجان سابق على خلق الإنسان ، بدليل قوله - تعالى - * ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . والْجَانَّ خَلَقْناه مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) * . 3 - أن الملائكة عباد مكرمون ، لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فهم بمجرد أن أمرهم اللَّه - تعالى - بالسجود لآدم ، سجدوا جميعا دون أن يشذ منهم أحد .

--> ( 1 ) الحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الإزار . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 455 .