سيد محمد طنطاوي
472
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا ، أيهم أحسن عملا ، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم - ، وخالصا لوجهنا ، ومبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة . قال تعالى : بارَكَ الَّذِي بِيَدِه الْمُلْكُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . وفي الحديث الشريف : « إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن اللَّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، واتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء » . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) * زيادة في التزهيد في زينتها ، حيث إن مصيرها إلى الزوال ، وحض على التزود من العمل الصالح الذي يؤدى بالإنسان إلى السعادة الباقية الدائمة . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو للَّه - عز وجل - ، وأن الكتاب الذي أنزله على عبده ونبيه صلى اللَّه عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل ، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب ، وتبشير المؤمنين بالثواب ، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى اللَّه عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه ، ببيان أن اللَّه - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة ، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ ، وليجازى - سبحانه - الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف ، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك ، فقال - تعالى - : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 9 إلى 12 ] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ( 12 )