سيد محمد طنطاوي

470

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كلمة كما يسمون القصيدة بها « 1 » . وشبيه بهذه الآية في استعظام ما نطقوا به من قبح قوله - تعالى - : وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً « 2 » . ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق ، فقال - تعالى - : * ( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) * . قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم - أولا - أن لفظة لعل تكون للترجى في المحبوب ، وللإشفاق في المحذور . واستظهر أبو حيان أن لعل هنا للإشفاق عليه صلى اللَّه عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم . وقال بعضهم إن لعل هنا للنهي . أي لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم . . وهو الأظهر ، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك ، قال - تعالى - : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ . . « 3 » . وقوله * ( باخِعٌ ) * من البخع ، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى في الرقبة . وذلك أقصى حد الذبح . يقال : بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا . أي : قتلها من شدة الغيظ والحزن ، وقوله : * ( عَلى آثارِهِمْ ) * أي : على أثر توليهم وإعراضهم عنك ، وقوله * ( أَسَفاً ) * أي : هما وغما مع المبالغة في ذلك ، وهو مفعول لأجله . والمعنى : لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما ، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين . وبسبب إعراضهم عن دعوتك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ ، وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . قال الزمخشري : شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به ، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم ، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم ، وتلهفا على فراقهم « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 472 . ( 2 ) سورة مريم الآيات من 88 - 92 . ( 3 ) أضواء البيان ج 4 ص 14 الشيخ محمد الأمين الشنقيطي . ( 4 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 473 .