سيد محمد طنطاوي
468
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال - تعالى - : فَإِنَّما يَسَّرْناه بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِه الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِه قَوْماً لُدًّا « 1 » . ثم خص - سبحانه - بالإنذار فرقة من الكافرين ، نسبوا إلى اللَّه - تعالى - ما هو منزه عنه ، فقال : * ( ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّه وَلَداً . ما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) * . فقوله - سبحانه - هنا : * ( ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّه وَلَداً . . ) * معطوف على قوله قبل ذلك * ( لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْه ) * من باب عطف الخاص على العام لأن الإنذار في الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى اللَّه - تعالى - الولد . والمراد بهم اليهود والنصارى ، وبعض مشركي العرب ، قال - تعالى - وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه ، وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه « 2 » . وقال - سبحانه - : ويَجْعَلُونَ لِلَّه الْبَناتِ سُبْحانَه ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ « 3 » . قال الآلوسي : وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا ، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا . . كما قال في شأن المؤمنين : ويبشر المؤمنين الذين . . للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه . وإيثار صيغة الماضي في الصلة ، للدلالة ، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق « 4 » . وقوله - تعالى - : * ( ما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ ) * توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم في الجهل والبهتان . أي : ما نسبوه إلى اللَّه - تعالى - من الولد ، ليس لهم بهذه النسبة علم ، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم ، لأن ذلك مستحيل له - تعالى - ، كما قال - عز وجل - : وجَعَلُوا لِلَّه شُرَكاءَ الْجِنَّ وخَلَقَهُمْ ، وخَرَقُوا لَه بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ . بَدِيعُ السَّماواتِ والأَرْضِ ، أَنَّى يَكُونُ لَه وَلَدٌ ، ولَمْ تَكُنْ لَه صاحِبَةٌ ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 5 » . و « من » في قوله : * ( ما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ ) * مزيدة لتأكيد النفي ، والجملة مستأنفة ،
--> ( 1 ) سورة مريم الآية 97 . ( 2 ) سورة التوبة الآية 30 . ( 3 ) سورة النحل الآية 57 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 203 . ( 5 ) سورة الأنعام الآيتان 100 ، 101 .