سيد محمد طنطاوي
466
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله * ( قَيِّماً ) * منصوبا بفعل محذوف أي : جعله قيما . والمعنى : الحمد الكامل ، والثناء الدائم ، للَّه - تعالى - وحده ، الذي أنزل على عبده محمد صلى اللَّه عليه وسلم القرآن الكريم ، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض ، لا في لفظه ، ولا في معناه ، وإنما جعله في أسمى درجات الاستقامة والإحكام . وإنما أمر اللَّه - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإنزال الكتاب على عبده محمد صلى اللَّه عليه وسلم لأن في هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم . وفي التعبير عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالعبد ، مضافا إلى ضميره - تعالى - ، تعظيم وتشريف له صلى اللَّه عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته ، وعلت مكانته « فهو عبد اللَّه - تعالى - ، وأن الذين عبدوا أو أشركوا مع اللَّه - تعالى - بعض مخلوقاته ، قد ضلوا ضلالا بعيدا . والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب ، إشارة إلى كماله وشهرته ، أي : أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى اللَّه عليه وسلم الكتاب الكامل في بابه ، الغنى عن التعريف ، الحقيق باختصاص هذا الاسم به ، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب . والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول ، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع . وجاء لفظ « عوجا » بصيغة التنكير ، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج ، إذ النكرة في سياق النفي تعم ، أي : لم يجعل له - سبحانه - أي شيء من العوج . وقوله : * ( قَيِّماً ) * تأكيد في المعنى لقوله - سبحانه - : * ( ولَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً ) * لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر ، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج في حقيقة الأمر ، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج ، وإثبات الاستقامة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة ، وفي أحدهما غنى عن الآخر ؟ قلت : فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح ، وقيل : قيما على سائر الكتب ، مصدقا لها ، شاهدا بصحتها ، وقيل : قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 472 .