سيد محمد طنطاوي

44

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : لأزينن لهم المعاصي والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح . وأزين لهم المنكر . وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدي في صرفهم عن طاعتك . . . وقال - سبحانه - * ( فِي الأَرْضِ ) * لتحديد مكان إغوائه ، إذ هي المكان الذي صار مستقرا له ولآدم وذريته ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها - أي الجنة - فأخرجهما - أي آدم وحواء - مما كانا فيه ، وقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ « 1 » . وقوله * ( ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) * مؤكدا لما قبله . أي : واللَّه لأغوينهم جميعا ما دمت قادرا على ذلك ، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ « 2 » . قال القرطبي : وروى ابن لهيعة عبد اللَّه عن دراج أبى السمح ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم ، فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني » . وقوله - سبحانه - * ( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) * اعتراف من إبليس بأن من عباد اللَّه - تعالى - قوما لا يستطيع أن يغويهم ، ولا يقدر على إضلالهم . وكلمة « المخلصين » قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائي - بفتح اللام - ، فيكون المعنى : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك ، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه . وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو - بكسر اللام - ، فيكون المعنى : لأضلنهم جميعا ، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل ، وابتعدوا عن الرياء في أقوالهم وأفعالهم . وهذا الاستثناء الذي اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه - هو سنة اللَّه - تعالى - في خلقه ، فقد جرت سنته التي لا تغيير ولا تبديل لها ، بأن يستخلص لذاته من يخلص له قلبه ، وأن يرعى من يرعى حدوده ، ويحفظ من يحفظ تكاليفه ، ولذا كان جوابه

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 36 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 17 .