سيد محمد طنطاوي
441
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال - تعالى - : إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذا مَسَّه الشَّرُّ جَزُوعاً . وإِذا مَسَّه الْخَيْرُ مَنُوعاً . إِلَّا الْمُصَلِّينَ . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، وهذا يدل على كرمه - تعالى - وإحسانه . وقد جاء في الصحيحين : يد اللَّه ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه « 1 » . وقال الآلوسي : وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم ، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة اللَّه - تعالى - التي لا تتناهى ، وانفردوا بملكها من غير مزاحم ، لأمسكوا عن النفقة من غير مقتض إلا خشية الفقر ، وإن شئت فوازن بقول الشاعر : ولو أن دارك أنبتت لك أرضها إبرا يضيق بها فناء المنزل وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ليخيط قد قميصه لم تفعل مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ، ترى التفاوت الذي لا يحصر . . . » « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما يدل على أن العبرة في الإيمان ، ليست بعظم الخوارق ووضوحها ، وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق ، واستعدادها لقبوله ، وساق - سبحانه - مثلا لذلك من قصة موسى - عليه السلام - فقد أعطاه من المعجزات البينة ما يشهد بصدقه ، ولكن فرعون وجنده لم تزدهم تلك المعجزات إلا كفرا وعنادا ، فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 101 إلى 104 ] ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَه فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ بَصائِرَ وإِنِّي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْناه ومَنْ مَعَه جَمِيعاً ( 103 ) وقُلْنا مِنْ بَعْدِه لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 )
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 122 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 181 .