سيد محمد طنطاوي

425

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يزيله منه ، وجعلك سيد ولد آدم ، وخاتم رسله ، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة . قال صاحب الكشاف : وهذا امتنان عظيم من اللَّه - تعالى - ببقاء القرآن محفوظا ، بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه . فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما . وهما منة اللَّه عليه بحفظه العلم ، ورسوخه في صدره ، ومنته عليه في بقاء المحفوظ » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى - : * ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ، ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى اللَّه عنهم - لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ، قل لهم على سبيل التحدي والتعجيز : واللَّه لئن اجتمعت الإنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، الذي أنزله اللَّه - تعالى - من عنده على قلبي . . لا يستطيعون ذلك . ولو كان بعضهم لبعض مظاهرا ومعينا ومناصرا ، في تحقيق ما يتمنونه من الإتيان بمثله . وخص - سبحانه - « الإنس والجن » بالذكر ، لأن المنكر كون القرآن من عند اللَّه ، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلا - ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدي إنما هو للإنس والجن الذين أرسل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم . وقال - سبحانه - : * ( لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ) * فأظهر في مقام الإضمار ، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلا معينا ، وللإشعار بأن المقصود نفى المثل على أي صفة كانت هذه المثلية ، سواء أكانت في بلاغته ، أم في حسن نظمه ، أم في إخباره عن المغيبات ، أم في غير ذلك من وجوه إعجازه . وقوله : * ( ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) * معطوف على مقدر ، أي : لا يستطيعون الإتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضا . والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال وبأية صورة من

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 691 .