سيد محمد طنطاوي

415

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر قال : دخلنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مكة ، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، فأمر بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأكبت على وجهها . وقال * ( جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) * « 1 » . وقال القرطبي : في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين ، وجميع الأوثان إذا غلب عليهم ، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، وما لا يصلح إلا لمعصية اللَّه كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر اللَّه تعالى . . « 2 » . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المسلمين في شخص نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم بالمداومة على كل ما يقربهم من اللَّه - تعالى - ، ولا سيما الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه ، وبشرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم بمنحه المقام المحمود من ربه - عز وجل ، وبأن ما معه من حق وصدق ، سيزهق ما مع أعدائه من باطل وكذب ، فإن سنة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أن تكون العاقبة للمتقين . ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم الذي أنزله على قلب نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبين أحوال الإنسان في حالتي اليسر والعسر ، والرخاء والشدة ، وأن كل إنسان يعمل في هذه الدنيا على حسب طبيعته ونيته وميوله ، فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 82 إلى 84 ] ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه وإِذا مَسَّه الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ( 84 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 59 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 314 .