سيد محمد طنطاوي

407

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجبارا ، لما لبثوا * ( خِلافَكَ ) * أي : بعد خروجك إلا زمنا قليلا ، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم . ومع أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجرا بأمر ربه إلا أنه - سبحانه - قد مكن نبيه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه من مشركي مكة في غزوة بدر ، فقتلوا منهم سبعين ، وأسروا نحو ذلك ، وكانت المدة بين هجرته صلى اللَّه عليه وسلم وبين غزوة بدر تقل عن سنتين . وهكذا حقق اللَّه - تعالى - وعده لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم وأنزل وعيده بأعدائه . ثم بين - سبحانه - أن نصرة رسله سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ، ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا ) * . ولفظ * ( سُنَّةَ ) * منصوب على أنه مصدر مؤكد ، أي : سن اللَّه ما قصه عليك سنة ، وهذه السنة هي أننا لا نترك بدون عقاب أمة أخرجت رسولها من أرضه ، وقد فعلنا ذلك مع الأقوام السابقين الذين أخرجوا أنبياءهم من ديارهم ولا تجد - أيها الرسول الكريم - لسنتنا وطريقتنا تحويلا أو تبديلا ، ولولا أننا قد منعنا عن قومك عذاب الاستئصال لوجودك فيهم ، لأهلكناهم بسبب إيذائهم لك ، وتطاولهم عليك . قال - تعالى - : وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ . . . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من المسالك الخبيثة التي اتبعها المشركون مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم كما حكت لنا ألوانا من فضل اللَّه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم حيث عصمه من أي ركون إليهم ووعده بالنصر عليهم . ثم أرشد اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم إلى ما يعينه على التغلب على كيد المشركين ، وإلى ما يزيده رفعة في الدرجة ، وبشره بأن ما معه من حق ، سيزهق ما مع أعدائه من باطل فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 78 إلى 81 ] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِه نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وقُلْ جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 )